القيادة .. الصينيون .. وأحلام التقدم لدينا

أهمية القيادة :

القيادة .. إحدى أهم الموضوعات في عالم الإدارة اليوم على الإطلاق .. لماذا ؟ .

حتى أكثر المفكرين الإداريين الذي يريدون قتل فكرة تأثير القائد على الأداء .. لم يستطيعوا إلا أن يعترفوا بذلك .. مثلا جيم كولينز في كتابه الشهير من جيد إلى عظيم  Good To Great.. ذكر أنه كان يقاتل من أجل تقليل حجم ودور القائد والقيادة في الأداء الكلي للمنظمة وكان يطلب من باحثيه على المشروع ( مشروع الكتاب – نعم مشروع .. يتضمن قرابة العشرين شخصا يعملون بدوام كامل ( Full Time )  .. بالكامل على مشروع الكتاب .. ونعم واحدة من أسباب تفوق أمريكا على العالم ( أنها بلد أبحاث بكل جدية وفي كل شئ تقريبا ) . .

فكان يطلب من باحثيه إعادة النظر في الداتا  ( المعلومات الإحصائية البحثية ) التي لديهم وألا يستعجلوا لإستخلاص النتائج رغبة منه في إثبات قلة أهمية دور القائد والقيادة ولكنه وباعترافه في الكتاب .. يقول مازالت الداتا تضربني في الوجه في كل مرة ولأن الداتا هي من ينتصر دائما فقد كانت القيادة بعد ذلك هي أول أسباب تطور الشركات من جيدة إلى عظيمة في دراسته الماتعة تلك ..

ويعزو بعض الإداريين أن تأثير القائد لايقل عن خمسة عشر في المائة على أداء المنظمة ككل .. وطبعا هذا في حال كانت المنظمة ككل متميزة ومليئة بالأكفاء المنضبطين ولكن ماذا لو لم تكن كذلك .. .. ماذا لو كان القائد سيئا وفي بيئة عمل سيئة وغير كفؤة ..  وتمنح هذا القائد البئيس سلطة مطلقة ..  النتيجة : كوارث بالطبع .

بعد كل ماتقدم سأذكر هنا سبباً واحداً فقط وسكيفينا : القائد هو من يحدد وجهة المنظمة ككل وهو من يدير دفتها من خلال قيادة مدرائه أيضا نحو تلك الوجهة .. فماذا لو كانت الوجهة كارثية ؟.

القائد هو أكثر معاملات الإنتاجية تأثيرا على الإطلاق في المنظمة ؟ .. هو الرقم الذي تضرب فيه جهود الأخرين فيعطيك الناتج الإنتاجي الإجمالي للمنظمة .. فماذا لو كان رقم هذا القائد صفر ؟..  والأسوأ ماذا لو كان رقمه بالسالب ؟ بكل تأكيد أنه سيشعل بيئة المنظمة التي يعمل بها بطاقة سلبية تملؤها فسادا وإفسادا تقتل فيها كل محاولات الإنتاج  وتعوق فيها كل خطوات التقدم ..

الجنون عند الصينيين وعلاقته بأحلام التقدم لدينا:

يعرف الصينيون الجنون بأنه : أن تظل تفعل نفس الأفعال وتتوقع نتائج مختلفة .. ( وتنسب هذه المقولة أيضا لآينستين ) .

المشكل الأكبر في حال تأخر التطوير السريع الفعال للقيادة لدينا هو أن هناك موردان ينزفان طوال الوقت : الوقت والموارد البشرية وغير البشرية .. وأحدهما لايمكن تعويضه ألا وهو الوقت ..

 نوعية القيادة لدينا في الغالب .. متعالية .. متغطرسة .. منفصلة عن الواقع .. وفوق هذا ضحلة المحتوى والتفكير ولاتمت بصلة لقيم القيادة وممارساتها الإحترافية المعروفة .

فأحدهم نفسه منسدة ولايبالي على الإطلاق بالتعبير عن ذلك صراحة لما يفترض أنها إحدى أقوى سلطات المجتمع .. الصحافة .. ( يبدو أنه يراها بفتح السين وليس بضمه .. سَلطة وليست سُلطة )  .. والآخر يصف بعض من يفترض به خدمتهم ( رجال ) بالنساء .. والآخر يطرد أحد مراجعي دائرته عيانا بيانا جهارا نهارا .. وإن شئت أن تعجب فالعجب كل العجب أنهم مازالوا على رأس العمل وعلى رأس الهرَم الهرِم الذي يقودونه .. نحو الهاوية بكل تأكيد .. مالم يتداركنا الله بنعمة منه وفضل .

*ملاحظة :  ( هذا ليس حكرا على الأداء الحكومي بالمناسبة فأيضا القطاع الخاص له نصيبه من التداعي على قصعة الوطن دور رقيب أو حسيب مقدمين الربحية الطاغية ولو على حساب الخدمة والمنتج والوطن والمواطن .. جودة وسعراً .. ولكنهم ليسوا محور هذه المقالة لأنهم باختصار يتلونون بلون القيادة الحكومية التي تشرف عليهم بكل بساطة  – ومرة أخرى ليسوا سواء .. منهم الصالحون ومنهم دون ذلك ) .

تشعر أن هؤلاء ( القادة ) يؤمنون ويعملون بقصد أو بدون قصد وفق نظرية بئيسة للقيادة نشأت في بدايات القرن الماضي عند البدايات الجادة لدراسة القيادة وهي نظرية الرجل العظيم   The Great Man Theory  .. والتي لم تعد صالحة ولم تكن صالحة أبدا في أي يوم من الأيام .. والتي تقول بأن القائد يولد هكذا .. نابغة متفوق فوق مستوى العنصر البشري المحيط وأنه ملهم الخ هذا الهراء .. والذي لم ينتج للعالم سوى هتلر وموسوليني وقذافي .. قادة كوارثيون .. ولم يعد يؤمن أو يتعامل بهذا الهراء منذ عشرات السنين إلا حفنة قليلة متخلفة في كوريا الشمالية والصين والبلدان العربية .. التي تظل تمجد في الشخص الخطأ حتى يمتلأ ظنا فاسدا بأنه ملهم من السماء وأن الملائكة تحوطه وأنه يوحى إليه من وراء حجاب أو ربما .. حتى يعبد الرجل ذاته .. كما حصل مع السادات وصدام على سبيل المثال .

ماهي القيادة الحقيقية :

القيادة ببساطة هي : أن تقود .. أي أن تكون في المقدمة  وليس في المؤخرة .. أن تكون أول من يتمثل ويعمل بمايقول .. أن يقفل الفجوة بين القول والعمل .. بين الرؤية والواقع .. أي تقود بالمثل .. بالقدوة .. وهي أرقى مراتب القيادة .

القيادة هي : النتائج .

ولايجب الحكم على القائد من خلال أنشطته بل من خلال النتائج التي يقدمها ومدى تحقيقه للأهداف المحددة سلفا .. فقط .. ولو أخذنا بهذا المعيار المهم .. ترى كم سيبقى لدينا من قيادات على كافة المستويات .. القلة بالطبع .

القيادة جهد مؤسسي  تكاملي منظم .. بإحاطة كاملة من مجموعة ناصحة أمينة خبيرة .. وليست سلطة كاملة في يد شخص واحد .. فالسلطة المطلقة مفسدة مطلقة .. كما هو معروف .

حاجتنا الماسة إلى طراز جديد من القادة

– حاجتنا ماسة جدا لإيجاد وخلق صفوف قيادية جديدة .. قادرة على التعاطي مع الواقع الحالي وجاهزة للتعاطي مع متغيرات ومجاهيل المستقبل .. لأن مخرجات القائد الفعال تضاعف فعالية وإنتاجية الأفراد الذين يعملون تحت قيادته .. لذلك كان إيجاد القادة الأكفاء دائما هو الهدف رقم ١ في جميع المنظمات العالمية الرائدة .. فعلى سبيل المثال شركة كشركة جنرال إلكتريك GE.. بالرغم من كل عظمتها وقدرتها التي امتدت لعدة أنشطة تمتد من أجهزة الكشف بالأشعة في المستشفيات إلى محركات الطيارات إلى التلفزيونات والخدمات المالية .. بالرغم من كل هذا التفوق في جميع المجالات التي تعمل فيها الشركة .. إلا أن ميزتهم التنافسية كما يرونها ويعملون بها هي : قدرة الشركة على إنتاج قادة من الطراز الأول .

– نحتاج الى قادة من طراز رفيع .. قادة ثوريين على السائد .. قادة تهمهم النتائج أكثر مما يهمهم تجيير الإنجازات ( الوهمية .. المُضخمة )  لذواتهم المتخمة .. قادة أعينهم كالصقور على المتغيرات الخارجية كي يسبقوها وكالصقور أيضا في داخل منظماتهم كي يصنعوا بيئة عمل فعالة ومنتجة ..

– نحتاج إلى أن نطرح جانبا البشت .. والبخور .. ومشية الروبوت الآلي والحواجب المرفوعة .. نحتاج إلى نكون في الميدان أكثر كما كان د. غازي القصيبي رحمه الله يفعل والذي استطاع في فترة وجيزة أن يحول فساد إدارة وزارة كبيرة كوزارة الصحة إلى إحدى أفضل الوزارات أداء على الإطلاق والذي كان يتمثل في زياراته المفاجئة في أماكن مفاجئة دون سابق إنذار والذي أعتقد شخصيا أنه كان يتبع أحد الأساليب الإدارية والتي تسمى  (Manage By Wandering Around – MBWA ) والذي طور في أواخر السبعينات وبدأ يستخدم بقوة في الشركات الأمريكية في الثمانينات الميلادية وكان سببا قويا في ازدهارها  ..

– نحتاج الى محاسبة القائد وإبقائه مسؤولا متابعا مراقبا .. فالمتابعة تولد المسؤولية .. نحتاج الى مجالس إدارية حاسمة فاهمة ذكية وصريحة وبيدها سلطة واضحة للمتابعة والمساءلة ( كمجالس الشورى والأمة على مستوى الوزارات    ومجالس الإدارة على مستوى الشركات ) .. تدعم وتدفع  وتحافظ على مسؤوليات القائد وتقوده لمستويات أداء أعلى دوما ..

– نحتاج إلى إعادة هيكلة .. وإلى حقن دماء جديدة في جسد الدولة حكومة وقطاع خاص وتدوير الكراسي الدوارة ..

نحتاج إلى تغيير ثوري وفوري وجذري .. كي نتدارك مايمكن تداركه .. قبل خراب مالطا كما يقال .. وكي نعود بطائرة الوطن إلى مسارها الصحيح الآمن .. بدلا من مسار السقوط المخيف الذي تسير فيه .

أخيراً :

أرجو من القارئ الكريم المشاركة في الطرح من خلال التعليق .. أو الإقتراح .. فالهدف هنا ليس التجريح بل التشريح .. ليس جلد الذات بل تغيير هذا الجلد كي يكون أكثر سماكة ومقاومة وحساسية أيضا .. كي نستطيع كل بدوره .. من الإرتفاع والتحليق إلى مايفترض أننا نكونه .

أضف تعليقك هنا