محتويات المقالة

لماذا دراسة السِّير الذاتية للعظماء ؟ .

دراسة سير العظماء تلقي دوماً بشئ من عظمتها على قارئها .. وتختصر أحيانا أعواماً من الدراسة والمحاولة بطريقة الصح والخطأ .. دراسة السير والقراءة عموماً .. تمنحك عقولاً كثيرة عبقرية تعمل جنباً إلى جنب مع عقلك .. وتمنحك حيوات ( جمع حياة ) تستطيع دمجها في حياتك .. فإذا أنت قد أخذت أحسن مالدى القوم وإن كنت نبيها موفقاً جاداً .. أضفت إلى تجربتك مالم يكن باستطاعتك وحدك أن تحققه بتوفيق الله ومشيئته .. لذا كانت دراسة السير من الطرق المهمة والمختصِرة .. وقد أشار الله تعالى لهذه المسألة مرتين بشكل واضح ( أتحدث هنا من ذاكرتي دون بحث موسع فلربما كانت هناك أكثر من هاتين الإشارتين ) .. وذلك في قوله تعالى ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) .. والأسوة هو المثل الصالح والقدوة الذي يقتدى به والمقصود هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .. والأخرى في قوله تعالى يأمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالإقتداء بمن سبقه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قوله تعالى ( فبهداهم إقتده ) ..  لذا أقترح على الطالب الجاد في مدرسة الناجحين والعظماء أن يخصص جزءاً من دراسته لقراءة سير هؤلاء الذين سبقوه سواء في الإيمان أو في الأعمال أو في أي مسار كان يريده ويختاره ..

وبطل قصتنا اليوم هو الفذ .. الذي بدأ من كاراج ( قراش ) بيته مكوناً إحدى أقوى الشركات .. بل في الحقيقة كوّن عدة شركات رائدة .. في التاريخ التجاري ومن أكثرها أثراً وتأثيراً في حياة الآخرين .. لقد أحدث هذا الرجل في حياة الناس ماكان يسميه : الإنبعاج في الكون .. ( الأثر القوي الباقي ) .

مبادئ عامة :

كل إنسان .. لديه نقاط قوة وضعف .. جانب إيجابي مشرق وجانب آخر أقل إشراقاً وإيجابية .. ودورنا هو أن نأخذ مايوافق المبدأ والخيرية والإيجابية وندع الجانب الآخر .. وهذا مافعلته هنا .. فبينما يتمتع بطلنا في هذه التدوينة بكل ماسيأتي من سمات إلا أن هناك جانباً آخر مظلم فعلاً في شخصيته .. كأي بشر .. فأخذت هنا ماينفع الناس .. وتركت الزبد يذهب جفاء .. وهذا ماأقترح عليك فعله مع من تريد دراسته .. وألا تتحرى الكمال الكامل .. فذاك ليس إلا للخالق وحده جل شأنه .

ستجد أحياناً اسم “ ستيف “ وأخرى “ جوبز” وهما لنفس الشخص “ ستيف جوبز “ .. أضعه كيفما اتفق معي سياقاً وشعوراً .

سأذكر مايتعلق بستيف وقصته الدرس المستفاد منه .. وقد أعلق أحياناً على ذلك بما أراه من واقع مآلات الأمور بالنسبة لستيف أو بماأراه من زوايا أخرى .

المقالة طويلة .. نوعاً ما .. وهي ليست للجميع وليست موجهة للجميع ولاأظن الجميع سيقرأها .. ولكن إن كنت ممن استهدفهم بهذا العمل .. فحياك .. وأرجو أن تجد فيها المتعة والفائدة .. علماً بأني قد اختصرت هذه الدروس كي لاأطيل عليك .. وتستطيع إن أردت المزيد أن توسع البحث وستجد المزيد من هذه الدروس .

الدروس متدرجة من الدروس الشخصية الحياتية العامة إلى الدروس التجارية .. علماً بأن هذه الدروس التجارية لاتعد حكراً على التجارة فقط .. بل هي مناسبة جداً لكل مجال يريد الإنسان شقّه .. تقريباً .

والآن مع قصة بطلنا لهذه التدوينة .. ستيف جوبز .. والدروس المستفادة منها.


الإيمان أولاً .. 

آمن بنفسك .. آمن بقيمك .. والأهم أن تعيش بها .

جوبز كان يأخذ كل مسائله بجدية كبيرة.. بل يأّخذها للإكستريم ( الحد الأقصى المتطرف ).. في العمل بقناعاته ومايؤمن به .. وسأذكر هنا مثلين على ذلك :

دينياً لم يكن مقتنعاً بفكرة المسيحية ( الثالوث ) .. لذلك كان يرفض فكرة التدين التقليدي منذ مقتبل عمره .. وكان يبحث عما يعتقد أنه الحق من ناحية السلوك والتوجه والتصرفات .. بمعنى أنه كان يبحث عن دين أو فكرة تقود خطواته العملية أكثر من أن تقود حياته الروحية .. وقد كان له ذلك عندما تعرف على فكرة البوذية الزن واعتنقها . والتي استقى منها لاحقاً معظم أفكاره حتى التجارية .. فمثلاً : فكرة التبسيط للحد الأقصى Minimalist .. أخذها من هنا والتي قادته لحياة مبنية بكاملها على هذا المبدأ .. التبسيط .. وهذا هو السر وراء اللبس البسيط الذي كان يلبسه دائماً ( البنطلون الجنز والتي شيرت الأسود ) .. كما أنه كان القائد في تصميم جميع منتجات أبل على الإطلاق .. مثل الآيفون ( حيث تخلصوا في أبل من الأزرار البلاستيكية الكثيرة واقصرت على رز واحد في واجهة الجهاز Home Button ) .. بل وكما في هذه الصورة بعد شرائه لبيته .. حيث وصلت المسألة إلى ماترى .. بيت بلاأثاث تقريباً .. وعندما أراد لاحقاً تأثيث المنزل لم يجد مايلبي ذائقته .. بالرغم من كل الموجود !!! .. وظل كذلك لفترة من الزمن .

جوبز نباتياً .. حافياً .. ولايستحم !!

 كان ستيف جوبز نباتياً .. ( ومن هنا أيضاً تم إستقاء إسم أبل Apple – تفاحة .. وإن كان بطريقة غير مباشرة ) ..  وكعادته عندما يؤمن بمبدأ ما أو فكرة ما فإنه يأخذها حد التطرف .. فقد أخذ فكرة النباتية إلى درجة أنه لايستحم لأنه كان يؤمن أن النباتيين لاتكون لهم رائحة غير جيدة .. وذلك بالرغم من أن الكثيرين كانوا يقولون له أن رائحته كريهة جداً ( طبعاً كان ذلك خاصة في بداية حياته ) إلا أنه كان يرفض ولفترات طويلة كما أنه كان لايلبس حذاء لفترة طويلة من الزمن نظراً لنفس فكرة الزن التي كان يؤمن بها .

*ملاحظة : بينما أدعو هنا للإيمان بكل قوة بما تؤمن به والأهم أن تجعل ذلك في صميم أعمالك وحياتك .. إلا أنه يجب أن هناك هامشاً للتغيير وإحتمال الخطأ .. حيث يكون هذا الهامش في الغالب مصدر سعادة وتطور وإنجاز بين الحين والآخر . فبعض الإعتقادات غير المُختبرة قد تكون قاتلة بالفعل .. وأفضل مثال على ذلك من قصة حياة بطلنا في هذه التدوينة هي أن ستيف أصيب بسرطان نادر في البنكرياس وعندما تم فحصه بأخذ عينة منه تبين أنه ورم حميد نادر ولكن يجب استئصاله بسرعة قبل أن يتحول إلى ورم غير حميد . ولكن ستيف رفض بكل قوة لأن يؤمن أنه يجب ألا يُفتح جسده لعدة اعتبارات يؤمن بها .. منها فكرة الزن التي يؤمن بها .. وكان لرفضه ذلك لتلك العملية .. نتيجة قاتلة له حيث أن هذا الورم تحول خلال 9 أشهر إلى ورم سرطاني كان السبب الرئيس في وفاته بعد ذلك .


لاتعش حياة محدودة .

الفرصة دائماً موجودة 

يقول جوبز :

العالم ليس كاملاً بل هو مكان ملئ بالفوضوية وملئ أيضاً بالفرص لتغييره .. فقط انظر إليه بهذا الشكل وستحدث تغييرك .. الفرق بين من يبدع ويغير وبين غيره .. أن لاتنظر إلى الحياة والعالم من حولك وكأنه كامل .. لامجال للإبداع والتغيير فيه .. بل هو كذلك .. واعلم أن من سبقك وغير وأضاف إلى هذا العالم ليسوا أذكى منك .. وأنك تستطيع أن تضيف وتغير في هذا العالم .. وفي اللحظة التي تؤمن فيها بأنك قادر على أن تبعج العالم من أي ناحية فيكون لذلك أثر في الناحية الأخرى منه .. فإنك ستحدث تغييرك الذي تكون بصمتك فيه .

خذها قاعدة : طريقة نظرك للشئ تحدد طريقة تعاملك معه .. عزيزي القارئ | القارئة .. أعد فضلاً قراءة الجملة السابقة بتمعن . وإن استطعت أن تأخذها بالمعنى العميق لها وتأخذها كعنصر قياس في حياتك فأنا على يقين بأنها قادرة بمشيئة الله على إحداث .. ليس فقط تغيير .. بل تغييرات جذرية في حياتك .

وهنا نقول : إن كنت تنظر إلى هذا العالم على أنه كامل لامجال للزيادة فيه ولامجال للتغير ( على يدك ) فيه .. فاعلم أن ذلك سيكون ديدن أفعالك .. ستكون عزيزي القارئ | القارئة كما قال المنفلوطي : زائداً على الدنيا .. وبالمقابل إن كنت تؤمن بأن هناك فرصة وإمكانية .. بل وضرورة .. للتغيير فإنك سترى من الفرص مالم تره سابقاً .. ستكون عينك وعقلك مدربان على رؤية الفرص والثغرات لإحداث ذلك التغيير الذي سيكون بصمتك على العالم من حولك . ( هذه العقلية وهذه النظرة هي نظرة وعقلية رواد الأعمال ( التجار ) الذين يحدثون دائماً تغييرات تضيف لهم ولمجتمعهم وللعالم من حولهم .. فتجعلهم وتجعله أناساً .. ومكاناً أفضل للعيش فيه ) .

وإن استطعت عزيزي القارئ | القارئة .. أن تأخذ المقولة التالية إلى نخاع عظمك فافعل وستحسن إلى نفسك :

آمن ( بنفسك ) وسيتبعك العالم .

  



عش شغفك . لاتعمل
من أجل المال .

مرة أخرى : هل هو الشغف أم المال أم كليهما أم ماذا ؟ .

يقول جوبز :

لقد كنت أمتلك حوالي المليون دولار عندما كنت في سن 23 .. وأكثر من 10 مليون دولار عندما كنت في 24 من عمري .. وأكثر من 100 مليون دولار عندما بلغت 25 من عمري .. ولم يكن ذلك بالمهم عندي .. لأني لم أعمل من أجل المال .. وللعلم فأنا أرى المال شئ رائع جداً لأنه يمكنك من تقديم وعمل أشياء مهمة جداً .. ولكن حقيقة في تلك المرحلة من حياتي لم يكن المال هو الأهم بالنسبة .. الأهم كان : الشركة . الناس . والمنتجات التي تصنعها وماالذي يستطيع الناس ( العملاء ) أن يصنعوه من خلال منتجاتنا .

حالة ستيف جوبز هي حالة استثنائية .. وكانت حالة ناجحة منذ إنطلاقها .. لذا لاينبغي أن تعول عليها كثيراً كرجل أعمال أو ( كإنسان تحاول النجاح عموماً في أي مجال تختاره ) .. وإن كنت هنا أتوجه بالحديث لمن يعمل أو يريد العمل في المجال التجاري ..  بل يجب أن تركز على المال منذ البداية .. المبيعات . الأرباح . القوائم المالية ومعرفة قرائتها وتفسيرها . والأهم إدارة ( الهواء والماء ) للعمل التجاري ألا وهو ( النقد – ماتسمى بالتدفقات النقدية ) والتي هي أشبه بهواء وماء ووقود العمل التجاري والذي عندما ينفد فإن عملك التجاري يتوقف على قارعة الطريق . وللمزيد عن هذه الجزئية إقرأ هذه التدوينة .

فكيف نوفق إذا بين مايقوله ستيف جوبز في هذه الجزئية وبين ماأقوله لك هنا الآن . كالتالي :

اعمل فيما تحب . من أجل أن تحصل على القوة في مواجهة الشدائد التي قد تمر بعملك التجاري وبك ( وفي الغالب أن ستمر بها إن عاجلاً أو آجلاً ) .. ولكن عامل ( الفكرة ) التي تريد عملها بكل موضوعية وحذر وتثبت ودراسة .. عاملها بعقلية تجارية بحتة .. وقد تعلمت شخصياً هذا الدرس فقد عملت في شئ أحبه حد الهوس وأؤمن أيضاً أني قد أكون من أفضل من قد يعمل به .. ولكنه لم يحقق النجاح الذي حصلت عليه من أعمال أخرى تقل كثيراً في مقياس الحب والشغف .. في درس شخصي أسميته : الحب ( الشغف ) وحده لايكفي .. إحذر واجمع الإثنين ووفر على نفسك الكثير من الالام  وربما الخسائر المالية أيضاً والأهم : العمر .. وارفع مستوى إمكانية نجاحك في مشروعك القادم . بمشيئة الله .


الإرادة التي تطوّ ع الحقيقة وتصنع الواقع .

Reality Distortion Field

كان كل المحيطين بجوبز يشعرون بقدرة هذا الرجل على إقناعهم بغير الحقائق .. كانوا يشعرون بأن لديه أشبه مايكون بالحقل المغناطيسي  حوله يجعل الآخرين من حوله أيضاً يعيشون في عالم خيالي يفرضه عليهم وتفرضه عليهم أفكاره حتى أصبح من المألوف في أبل مايسمى بحقل تشويه الواقع ( الحقيقة )  Reality Distortion Field وهي عبارة كونها فريق ماكنتوش يصفون فيها قوة كاريزمية ستيف.. وهذا في نظري نابع من قوة إيمانه بأفكاره وقوة إصراره على تحقيقها .. وقد كانت هذه القوة شيئاً ثابتاً ومستمراً معه في مراحل حياته اللاحقة وقد كان يشعر بها الكثير ممن تعاملوا معه أو أحاطوا به .. بل وأصبح الجميع يستعد لتأثيرها ويعد لكيفية التعامل معها . وقد كانت لديه سمة أخرى متميزة .. كان جوبز كان من الناس الذين إذا قرروا أن شيئا ما يجب أن يحدث فإنهم ببساطة يجعلونه يحدث ..


لاتجعل الحياة والآخرين يغيّروك ( مالم تختر ذلك أنت ) .

لم يسمح ستيف لكل ماحوله بالرغم من هول الضغوط التي تحيط به .. لم يسمح لها .. بأن تغير شخصيته .. واسمح لي هنا عزيزي القارئ | عزيزتي القارئة أن أحرر مصطلح الشخصية الذي أقصده ..

* هناك جزئيتين أو معنيين لمفهوم ومصطلح الشخصية  :

فهناك مايمسمى بالشخصية  Personlaity وهي ماتراه عندما تتعرف أو تشاهد أحدهم .. هي طريقة تفاعله وطريقة تحدثه ولغة جسده إلى آخره .. وهي مايدور في فلك مصطلح الكاريزما ( الجاذبية الشخصية ) .. وهذه الجزئية في الحقيقة لاتعبر عن حقيقة الشخص وقدراته أو قيمته .. لأن أي أحد يستطيع باكتساب وتطوير سمات ومهارات معينة أن يضيف هالة من الجاذبية من حوله .. ولكنها قد تكون .. وقد لاتكون .. خادعة .. ولاتذهب بعيداً : انظر فقط إلى المحتالين والنصابين عبر التاريخ وستجدهم كذلك : وأقرب مثل هي شخصية الكازانوفا أو الدون جوان  ساحر النساء المعروف  ( مع كل الإحترام للقارئات الكريمات ) .. فبينما يبدو غاية في صدق مشاعره وتعابيره يخفي في حقيقته شخصية غاية في الكذب والمجون والخيانة  .. وقول الله تعالى أجل وأصدق حين وصف بعض من تعتقد أنهم أصدقاؤك بقوله : ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على مافي قلبه وهو ألد الخصام .. تخيل ! .. حاول ألا تحكم مبكراً .. وحاول ألا تحكم على المظاهر .. عملية صعبة بلاشك .

وهناك مايسمى بالشخصية ( الأخلاقية القيمية ) Character وهذه هي حقيقة الشخص .. وهي مجموع مايشتمل عليه الإنسان من قيم وأخلاق وسمات وعادات كوّنها عبر السنين .. وهي ليست الجزئية أعلاه ( Personality ) لأنك قد تجد أحياناً شخصاً يفتقد إلى مهارات التحدث والفصاحة والبيان وذرابة اللسان كما يقال .. ولكنك ترى في جوهره إنساناً غاية في النبل والقيمة .. ولذلك كما قيل : نحن .. نتواصل مع الآخرين .. أكثر مما نتواصل معهم ! .

عودة لستيف .. ستيف لم يسمح للعالم من حوله بأن يغيره على المستويين .. إلا باقتناعه .. فهو بدأ وانتهى كما هو .. حاد المزاج أحياناً .. شغوف حد البكاء الطفولي عندما يريد تحقيق شئ ما .. يمارس سحره التأثيري والإقناعي بطريقته بكل تعمد .. عندما يريد أيضاً .. وفي فترات عديدة من حياته كان بارد العاطفة غريب الأطوار أيضاً . .

الدرس : هذا اليس دعوة إلى الجمود وعدم التغير .. بل على العكس تماماً .. لأن التغيير في كل شئ .. حتمي .. حتى على صعيد الشخصية .. ولكنه دعوة إلى قيادة التغيير الشخصي بوعي وعناية .. والبدء دوماً من القاعدة .. من الشخصية الأخلاقية القيمية Character لأنها في الحقيقة هي مايصنع الفرق على المدى الطويل .. ثم العناية بمهارات التواصل والإتصال والإقناع والتأثير والجاذبية .. ولكن ليس قبل ذلك .

وأختم هنا بمقولة حكيمة للممثل سئ الذكر ( الآن ) بيل كوسبي :

لاأعرف طريقاً واحداً للنجاح .. ولكن أعرف طريقاً مؤكداً للفشل : أن تحاول إرضاء كل الناس .


الفكرة المحورية لأي عمل تجاري .. ابنِ كل شئ حول عملائك . 

يقول جوبز في إحدى لقاءاته الداخلية في الشركة :

يجب أن نبدأ من تجربة العميل ثم نعود للمنتج والتقنية والتغيير الذي نريد إحداثه .. وليس العكس بأن نبدأ من مميزات المنتج دون النظر إلى العملاء .

وقد يُشْكل هذا على بعض متابعيه ممن يعرف مقولته المشهورة : الناس لايعرفون ماذا يريدون حتى تريهم إياه .. ولكن في الحقيقة لاتعارض بين المبدئين .. حيث أنه بلغ من معرفته لعميله ( عميل أبل ) أنه أصبح يعرف ماالذي سيستهوي هذا العميل .. لذا كانت المنتجات الثورية المبنية على نفس خلفية العميل المحدد لأبل .. مثل : الآيفون .. والآيباد .. والآيتيونز .. ولاحقاً الآيووتيش – ساعة أبل  ( المنتج الوحيد الجديد الذي كان بعد وفاة جوبز ) .


الفريق .. اللاعبين الأفضل .

The A Team

باختصار : لن تستطيع عمل كل شئ . ولن تستطيع النجاح لوحدك . ولن تستطيع النجاح بلافريق .. إلا ماشاء الله .

لن تستطيع عمل كل شئ .. ولن تستطيع أن تكون أفضل شخص في كل شئ .. لذلك يجب عليك الإستعانة بالأفضل في مجالاتهم .. وأن تتخصص أنت في أفضل مايمكنك أن تكون …

كانت أول مرة أكتشف فيها جوبز أنه ليس الأذكى عندما التقى صديقه وشريكه ستيف وزنياك .. العبقري الذي كان خلف الأجهزة الأولى لأبل .. يقول ستيف أنه نادرا مايقابل شخصاً أعلم به في الإلكترونيات ..

ولكن السر كل السر .. والنجاح كل النجاح اللاحق كان يكمن في هذه اللحظة وفي هذا المفهوم .. أنه ليس الأفضل في شئ ما ومن الأفضل أن يدع الأفضل يعمل فيه ويعمل هو فيما يعتقد أنه الأفضل فيه .. وقد كانت بالنسبة لستيف تكمن في إدارة العمل التجاري الأخرى كالقيادة والتسويق والمالية ( خاصة في مراحل العمل الأولى ) .. وأيضاً في التصميم كمفهوم .. حيث أن ملاحظات ستيف في التصميم وبصماته رافقت كافة منتجات أبل حتى وفاته .. بل حتى بعد وفاته .

فلسفة جوبز في تكوين الفريق 

كانت فلسفة جوبز فيما يتعلق بالفريق هي ببساطة : لاتستعن إلا بمن هم اللاعبين الممتازين فقط A Players ..  فقط . وعندما يتم تكوين فريق بهذا المستوى من التفوق فإنه ( الفريق ) يصبح شرطي نفسه  فيرفض ( الفريق ) لاحقاً قبول أي عضو ليس في مستواه فيكون بهذه الطريقة قد خلق آلية ذاتية للتطوير الذاتي ( للفريق ) .

مثالان لفردين ماكان لأبل أن تكون أبل  لولاهما .. بعد توفيق الله :

1 – ستيف وزنياك .. شريك ستيف المؤسس لأبل كما سبق .. هذا الرجل السمح كما نقول عندنا .. رجل في منتهى البراءة .. حتى الآن .. كان هذا الرجل عبقرياً بكل معنى الكلمة .. وقد كان سابق عصره بكثير في كثير من الأمور التقنية حيث يعزى إليه الفضل بعد الله مع ستيف في خلق مايسمى بالكمبيوتر الشخصي وسوابق ( حميدة ) أخرى تقنياً أحدثها هذا الرجل .

2- مايك ماركولا .. الساحر التسويقي .. كان أول المستثمرين في أبل .. وكان بالفعل ساحراً تسويقياً .. وكان أول من علم ستيف كيفية صناعة خطة تسويقية .. كان كالأب لستيف خاصة في بداياته .. ( بالمناسبة حظي ستيف بالعديد من القدوات والمرشدين في بداياته في حياته العملية و الخاصة – شئ نفتقد وجوده في عالمنا العربي بالشكل الصحيح والمطلوب ) .. كان ماركولا ناجحاً في عدة مشاريع استثمارية قبل أبل .. ثم استثمر فيها وكان عضوا في مجلس إدارتها حتى عودة ستيف الثانية لأبل في قصة ماتعة كنت أود ذكرها ولكن مخافة السآمة عليك عزيزي القارئ لن أذكرها هنا ) .

ختاماً : سأذكر هنا مقولة شهيرة تعضد الفكرة أعلاه وهي لرجل كان يعتبر أثرى رجل في العالم في أوائل القرن الماضي وهو رجل لايقل إثارة عن جوبز بل بصراحة يفوقه كثيراً على الصعيد الإنساني والفكر الإستثماري أيضاً حيث كان هذا الرجل رجل أعمال وكان اثروبولوجيست ( عالم إنسانيات ) وكان مثقفاً وذا بعد إنساني كبير وذا أثر على مجتمعه مازال حتى يومنا هذا .. ( ولعلي قد أكتب عن سيرته لاحقا ) .. وهو السيد أندرو كارنيقي .

هذا الرجل أوصى أن يكتب على شاهد قبره :

هنا يرقد رجل عرف كيف يحيط نفسه دوماً برجال أكثر كفاءة منه .


الفلسفة التسويقية لأبل : 

تشكلت الفلسفة التسويقية لأبل منذ الأيام الأولى لها وذلك على يد الساحر التسويقي مارك ماركولا .. مع ستيف جوبز .. وقد كانت ومازالت في الحقيقة تقود عمليات أبل التشغيلية حتى يومنا هذا .. وهي تتشكل من جواهر ثلاث : 

1-  Empathy .. المعنى الحقيقي لهذه الكلمة هو : التقمص العاطفي .. وهي ملكة إنسانية تجعل الإنسان يشعر بمشاعر الآخر .. وهي بالمناسبة إحدى أهم قوى سمات مايسمى بالذكاء العاطفي Emotional Intelligence .. وهي هنا بمعنى : الشعور بمشاعر العميل وتفهمها وتفهم إحتياجاته ورغباته أكثر من أي شركة أخرى .. وصناعة علاقة حميمة مع العميل .

2- التركيز Focus   وبذلك برفض كل الفرص غير المهمة .. بل والمهمة أيضاً التي لاتتعلق بالأولويات المحددة سلفاً لأبل .. والتركيز دوما على أفضل الفرص وأفضل المنتجات المتعلقة بالخطة الأولية التي حددتها الشركة كاستراتيجية لتحقيق ليس فقط رضا العميل .. بل إدهاشه وإسعاده .

3- Impute .. هذه الكلمة بهذا السياق تعتبر من الكلمات الغريبة في معناها .. لأنها لاتعني  التصميم  بشكل مباشر .. ولكنها كانت الكلمة التي فضل جوبز إختيارها .. يقول جوبز :

الناس يحكمون على الكتاب من خلال الغلاف .. قد نملك أفضل المنتجات .. أعلى مستويات الجودة .. أكثر البرامج فائدة .. ولكن إن قدمناها بطريقة رثة ومبتذلة فإنها ستستقبل ( من العملاء ) بطريقة رثة ومبتذلة .. ولكن إن قدمناها بطريقة خلاقة ومحترفة فإننا سنبرز الصفات المرغوبة .

 بمعنى أنه يجب أن يكون كل شئ مصمما بطريقة كلاسي وراقية وأنيقة جدا .. ومع ذلك بسيطة جداً ( وهي قمة الأناقة ) .. أي أن كل نقاط الإتصال مع العميل يجب أن تكون مصممة بعناية .. جداً .. وبنظرة بسيطة لمنتجات أبل وكيفية تغليفها وعرضها تدرك هذه الإستراتيجية فوراً .

والآن مع القطعة التسويقية الفارهة لدى ستيف جوبز : 

يقول ستيف :

التسويق بالنسبة لي هو القيم ( Values ) .. ولايمكن لأي شركة بما فيها نحن .. أن تستطيع إقناع العميل بتذكرها .. لذلك يجب أن يكون في منتهى الوضوح فيما نريده منهم ( العملاء ) أن يتذكروه عنا .. وبالرغم من ماركة أبل تعتبر من أقوى العلامات ( قديماً – الآن تعتبر العلامة رقم 1 عالمياً ) .. لكن بالرغم من ذلك فإن أي علامة تحتاج إلى الإستمثار فيها والعناية بها .. والطريق إلى ذلك ليس من خلال التحدث عن إمكانات ومواصفات منتجاتنا .. ومن أفضل المسوقين في نظري – الكلام مازال لجوبز – هي شركة نايكي Nike فهي بالرغم من أنها سلعة Comodity .. إلا أنك عندما تقول أو تفكر فيها فإنك تشعر بشئ آخر .. هم لايتحدثون عن التقنيات الأحدث التي يقدمونها في أحذيتهم . هم يعملون على مستوى أعلى بكثير من ذلك .. هم يكرّمون الرياضيين العظام  في كل مكان ويكرّمون الرياضة .. عملاء أبل يريدون معرفة من هم أبل ؟ ماالذي يؤمنون به ويريدون إحداثه في هذا العالم ؟ عمل أبل ليس تصميم أفضل المنتجات في العالم بالرغم من أنها تفعل ذلك في غالبية منتجاتها .. ولكن أبل في صميمها ليست ذلك .. أبل في صميمها هي مجموعة قيم نحن في أبل نؤمن بأن  الناس الذين يمتلكون الشغف ( مرة أخرى ) يستطيعون تغيير العالم للأفضل . هذا مانؤمن به في أبل .. وهؤلاء من نحن بصدد خدمتهم ومساعدتهم في تحقيق مايريدون تحقيقه .


إهتمامك بالتفاصيل .. تفاصيل التفاصيل .. علامة تفوق ونجاح .

إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه .

جوبز كان مهووسا بالتفاصيل .. كل التفاصيل الظاهرة والباطنة .. مايراه العميل ومالايراه .. وقد كانت لإحدى القصص التي مر بها في طفولته أثر في صناعة هذه الفلسفة حيث يذكر أنه ووالده ( بالتبني ) كانا يبنيان سوراً حول المنزل وكان والده يهتم جداً بباطن السور ( الذي لايراه الآخرون من الخارج ) بنفس الدرجة التي يهتم بها في ظاهره .. وعندما سأله ستيف عن ذلك فأفاده بأن من يعمل عملاً فإنه يجب ألا يعمله من الآخرين فقط بل يجب أن يعمله لنفسه ويجب عليه أن يتقن ويجود عمله حتى وإن لم يره الآخرون .

وقد ظل هذا الدرس مع جوبز بقية عمره فقد كان مهووساً بالتفاصيل .. مايراه العميل ومالايراه .. وكم من مرة أعاد التصاميم الأولية فقط لأن الأعمال غير متقنة من الداخل ( حيث لايراها العميل ) .. وقد جعل مهندسي أبل يؤمنون بذلك أيضاً فقد جعلهم يوقعون على المنتجات بأسمائهم الأولية من الداخل . في إشارة لإضافة الفخر والإعتزاز عليهم ( مشاعر مستحقة ) وأيضاَ لصبغهم بمفهوم الدقة والكمال .


كن فخوراً بمنتجاتك ولاتبع شيئاً رديئاً  .

ركّز على أفضل مالديك .. وأفضل ماتستطيع تقديمه واعمل على ماتريد أن تكون فخوراً بعمله .

في لقاء مع رئيس شركة نايكي المعروفة Nike .. ذكر أنه طلب من ستيف جوبز نصيحة فقال له ستيف مستدركاً: أنتم تبيعون منتجات رائعة وفائقة الجمال والفعالية .. ولكنكم تبيعون أيضاً منتجات ( زبالة ) .. تخلصوا من المنتجات الزبالة وركزوا على منتجاتكم الرائعة .. يقول ( نايكي ) كنت أنتظر في نهاية هذه النصيحة من ستيف أن يتوقف أو أن يختمها بضحكة مجاملة ولكنه لم يفعل . .  وبالمناسبة .. يقول رئيس نايكي .. لقد كان كلام جوبز صحيحاً ..


كيف تتعامل مع الفشل ؟.

قد تضربك الحياة بحجر على رأسك .. لاتفقد إيمانك . فقد يكون ذلك أفضل ماقد يحدث لك .

في أوج نجاحاته التجارية الأولى مع أبل وعندما بدأت الشركة تنمو بشكل كبير .. أصبح من اللازم والضروري أن يقودها كمدير تنفيذي Ceo شخص في مستواها وأصبح من الواضح أن خبرة وسن ستيف لايناسبان شركة بهذا الحجم . لذلك وبعد موافقة مجلس الإدارة وتفويض ستيف بالبحث عن الرجل المناسب .. قام ستيف في قصة طويلة ماتعة . لن أذكرها هنا . باستقطاب وتوظيف المدير التنفيذي لشركة بيبسي Pepsi جون سكولي .. ثم وبعد فترة من عمل هذا الرجل على قيادة الشركة  قرر هو ومجلس إدارة شركة أبل طرد ستيف جوبز .. تخيل أن تطرد من شركة أنت أسستها ؟!!

يقول ستيف :

بالرغم من أن تلك اللحظة كانت من أدنى اللحظات التي عشتها في حياتي إلا أنني وبعد فترة من الزمن اكتشفت أن ذلك من أفضل ماحدث لي .. حيث أزاح عن صدري ثقل ووطأة النجاح وشعرت بخفة البداية من جديد ( وهذه نصيحة ثمينة لك عزيزي القارئ | القارئة – إشعر دائماً بخفة البداية من جديد – مهما كانت لحظات الألم السابقة لها ) .. فأسست شركتي نكست NeXT وبكسار Pixar .. والتي قادتني في ظروف غريبة للعودة من جديد إلى أبل كقائد تنفيذي لها من جديد .. لذلك فإن من أفضل نصائحي لك .. يقول سيتف .. هي : إبحث عما تحب ( الشغف مرة أخرى ) .. وإن لم تجده فوراً فإياك أن تتنازل عن البحث عنه .. فهو كجميع أمور القلب ( الحب ) .. ستعرفه عندما تراه ..


الموت هو أفضل إختراعات الحياة . 

عِش حياتك .. مادمت حياً

يقول ستيف :

خلال الـ 33 عاماً الماضية كنت كل يوم أسأل نفسي هذا السؤال : لو كان هذا اليوم هو آخر يوم في حياتي فهل كنت سأعمل ماأعمله الآن ؟ فإذا كانت الإجابة لا لعدة أيام على التوالي .. فإني أغير ماأفعله . الموت يجعلك عارياً أمام نفسك .. الموت يجعلك تقصي كل أفكار الخوف التي تحول بينك وبين ماتريد عمله . التفكير في الموت هو أفضل الأدوات كي تعيش حياة أفضل .. الموت هو أفضل إختراعات الحياة .. لذلك : إياك أن تعيش حياة غيرك .. إياك أن تدع قناعات الآخرين تخمد الصوت الذي بداخلك .. والأهم هو أن تملك الشجاعة كي تتبع قلبك وحدسك .. وكل شئ آخر بعد ذلك ثانوياً .

إذا نظرت إلى كل يوم على أنه قد يكون الأخير لك .. يوما ما سيكون ذلك صحيحاً .. وقد كان ذلك فعلاً لستيف جوبز في أحد أيام عام 2011 .. بعد حياة حافلة بالإبداع والأحداث والتأثير .. حيث حقق الرجل ماكان يقول أنه يريد إحداثه .. حيث كان كما قال في إحدى لقاءاته : نحن هنا من أجل أن نحدث انبعاجاً في الكون .. وإلا فلماذا نحن هنا !! .

ختاماً : لابد لي من ذكر مشاعري عند موت أحد هؤلاء العظماء الذي أثروا على حياتي وحياة كثيرين آخرين .. ففي كل مرة يموت أحد هولاء أشعر بذنب كبير وتأنيب للضمير كوني لم أعمل عملياً على مكافأتهم على إسدائهم كل هذا المعروف لي .. وقد كان أول شعور لي قوي بذلك عند موت بيتر دركر Peter Drucker   وهو يسمى : أبو الإدارة الحديثة وأحد أكبر المؤثرين على فكري إدارياً وذلك في عام 2005 وكذلك كان عند موت ستيفن كوفي Steven Covey صاحب كتاب العادات السبع للناس الأكثر فعالية والذي كان من أكثر المؤثرين على فكري وأدائي على صعيد الفعالية والإنتاجية الشخصية وبناء الحياة على صعيد المبادئ عملياً .. وهذا التأنيب يشتمل على فكرة واحدة وهي أنني لم أدعوهم للإسلام ولو بإيميل واحد .. كنوع من الشكر والمكافأة .. وأرجو ألا يفوتني أو يفوتك لاحقاً عزيزي القارئ | عزيزتي القارئة هذا الواجب .. حيث أنه ( الإسلام ) أفضل مالدينا لنقدمه للعالم ونكافأه به ..

شكراً على القراءة .. وأخبرني كرماً عن أفكارك أو إضافاتك حول موضوع هذه التدوينة والذي أرجو أن تكون مفيدة لك في المساعدة على تفعيل ماتراه مناسباً لك من هذه الدروس في حياتك العملية والخاصة .

كل التوفيق أرجوه لك .

أضف تعليقك هنا