هل سبق ومر بك أحد يقول مالايفعل ؟. أو يفعل غير مايقول ؟. أو أن أفعاله لاتوافق مايدعيه من أخلاق ومبادئ ؟ .

لاتحكم بسرعة وتقول : منافق .

ففي الحقيقة هناك فجوة قد لاتخلو منها حياة إنسان وهي الفجوة بين مانؤمن به من قيم ومبادئ ومثُل وبين مانقوم به من أفعال وسلوكيات .

أنا هنا لاأحدثك عن من يظهر غير مايبطن .. هذا منافق بالمعنى العامي للكلمة وقد يكون بالمعنى الشرعي أيضاً . لاأحدثك عن هذه النوعية من البشر التي يكفيها ماهي فيه من إحتقار لذواتها ومعاناة وتمزق داخلي .. ناهيك عن الذنب العظيم المعجل في الدنيا والباقي في الآخرة .

أنا أحدثك هنا عن مسألة أخرى .

الفجوة التي أعنيها

مسألة أن يكون لدى الإنسان معايير وقيم ومبادئ ومثُل قد تكون عالية ويؤمن بها ولكنه لايستطيع ترجمة تلك القيم والمعايير على أرض الواقع .. مؤلم أليس كذلك ؟.

أولاً: لا تكن قاسياً على نفسك إن كنت كذلك .. لأنه في الحقيقة من منا قد لايكون كذلك . هذه المعضلة الأخلاقية يمر بها معظم .. إن لم يكن كل البشر تقريباً .. وهذه إحدى السمات البشرية .. أن نكون في مراوحة بين ملائكيتنا الممكنة وبين بشريتنا المحتمة . ونحن في جهاد بين هذا وذاك .

ولكن وفي الوقت نفسه تكمن هنا أيضا إحدى أرقى مهامنا ومجهوداتنا .. وهي أن نُقفل هذه الفجوة قدر المستطاع حتى وإن لم نستطع إقفالها بالكامل .. ولكن ماليس لنا فيه عذر فهو ألا نبدأ عملية الإغلاق هذه بين مانؤمن به وبين مانقوم به . الآن وفوراً .

ولكن دعني آخذك في جولة صغيرة في المخاطر المحتملة لترك هذه الفجوة تعبث بحياتك :

فجوة في السعادة والإنتاجية والفعالية الشخصية

– هذه الفجوة ليست أخلاقية فقط كما وصفتها أعلاه ولكنها فجوة في ذاتك لن تملأ إلا برفع مستوى سلوكياتك اليومية إلى ذلك المستوى الراقي الذي تؤمن به . لماذا ؟.

لأن هناك حاجة لما يسمى بكمال النزاهة والإستقامة الذاتية وهي توحدك الكامل قولا وفعلا .. مبدأ وطريقة .. ظاهراً وباطناً .. حول ماتؤمن به من قيم ومبادئ ومثل .. كي لاتكون كمن يريد الذهاب إلي مكانين في وقت واحد ( وهذا بالضبط مايحدث لمن يدع هذه الفجوة تعبث كيفما شاءت .. تخيل قدر الهم والألم والمعاناة العقلية والنفسية بل والجسدية .. والمؤلم أكثر أن ذلك قد يكون تحت مستوى وعيه لأنه ببساطة لايعلم ماتعلمه أنت الآن ) .

فإذن هي فجوة في مستوى السعادة والرضا الذي تشعر به تجاه نفسك .. بل وفجوة كبيرة أيضاً .

– هذه الفجوة تعد من أخطر وأكبر الفجوات في قدراتك الإنتاجية على العمل والإنجاز .. ببساطة لأنك لم تستطع حتى الآن أن تخضع ذاتك ( نفسك ) لأولوياتك وأهدافك .

قصة حقيقية 

والآن .. دعني أخبرك بقصة حقيقية قد تشرح المعنى والخطر المحتمل لهكذا مشكلة :

منذ عدة سنوات كان هناك برنامج تلفزيوني شبابي في قناة مهمة وكان هذا البرنامج من أفضل ماشاهدته من برامج وكان يتحدث عن القيم والأخلاق والمبادئ والمهام الإنسانية الراقية والغيرية ( خدمة الغير ومساعدتهم بكل ماتستطيع ) وكان البرنامج غاية في الصدق والعاطفية ولمس المشاعر بشكل بالغ ومؤثر وقوي .. وكنت من عشاقه وعشاق أبطاله ( مجموعة شباب غاية في النبل والإنسانية والفكر الراقي ) ومن المؤمنين بهم .. وكانت تدور في بالي رغبة ملحة كنت أتمنى لو استطيع تحقيقها  ألا وهي مشاركتهم بفكرة هذه الفجوة التي أحدثك بها هنا .

ماالذي حدث بعد ذلك ؟ .

تفرق الجمع ..

البعض ذهب في طريقه .. ربما لأعمال أخرى ومبادرات أخرى .

أحدهم .. أصبح نجماً لامعاً نفع الله به الأمة .

والأخير .. سقط في فضيحة أخلاقية مدوية . وقد تتساءل للحظة وتظن أن ذلك الشاب كان يدعي غير مايبطن من أخلاق .. وأكاد أقسم على أن ذلك لم يكن . فالشاب كان في منتهى الصدق والإيمان برسالته وصواب مايقدمه وأهميته .. ولكنه سقط لعدة أسباب لعل منها بيئته السابقة للبرنامج بالإضافة إلى عامل نفسي آخر قد أتطرق إليه في مقالة أخرى ..

إنها الفجوة في أوضح تجلياتها .

الحل

والآن .. وبعد كل ماتقدم .. ماهو الحل ؟.

لن نعقد الأمور هنا .. سأذكر لك فقط شيئا واحداً يساعدك في إقفال هذه الفجوة .. ويساعدني أيضا .. وهو :

أنه بمجرد وعيك ( معرفتك ) بهذه  المسألة فإن مستوى إدراكك ووعيك سيرتفع وبالتالي ستعمل على ملاحظة أفعالك وسلوكياتك .. وبمرور الوقت ستعمل بمشيئة الله على إقفال هذه الفجوة . مع العمل على ملاحظة النتائج المترتبة على إقفالها أو عدم إقفالها .

وثانيا : تذكر الآية الكريمة التي تقول : ياأيها الذين آمنوا لم تقولون مالاتفعلون .. كبر مقتاً عند الله أن تقولوا مالاتفعلون . والمقت هو نوع من الغضب الشديد الممزوج بالبغض .. نعوذ بالله من هكذا حال ..

*تحديث :

المزيد من الحلول بناء على طلب الإخوة والأخوات .. لسد هذه الفجوة :

1- إياك أن تعد بمالاتستطيع الوفاء به . أبداً . عامل موضوع مواعيدك وعقودك وعهودك والتزاماتك .. كشئ مقدس .. مهما كانت حجم هذه الإلتزامات صغيراً أو قليل الأهمية في نظرك .

2- إبدأ بمراقبة ألفاظك وخاصة التوصيفات التي تطلقها على الأحداث والأشياء والآخرين .. ونمّ سمة الدقة الوصفية . كن دقيقاً قدر الإمكان وهنا أنت تنمي أيضاً نفس السمة والعادة لعقلك في تعامله مع الأحداث والأشياء والأشخاص . الدقة الموضوعية . قدر الإمكان .

3- كن واضحاً جداً بخصوص قيمك ومبادئك .. اكتبها واقرأها باستمرار . ونمّ ولاءك لها من خلال التفكير فيها ومن خلال التحدث عنها .. وأيضاً من خلال اقتناص كل الفرص المتاحة للإلتزام بها مهما كانت العوائق أو التحديات .. أنت هنا ستنمي في حياتك قوة لايمكن التغلب عليها . قوة الإلتزام بالمبادئ .

وأخيراً ..

مارأيك أنت وملاحظتك الشخصية على ماتقدم من أفكار .. وهل لديك من حل إضافي لهذه المعضلة تثري به النقاش .. أرجو التفضل به في التعليقات ..

دعواتي .

أضف تعليقك هنا